زَوَالُ الْوَهْم: التَّحْلِيلُ النَّفْسِي بَيْنَ الأَلَمِ وَالْمَسْؤُولِيَّة
زوال الوهم
قد يظنّ بعضهم أن عمليّة التحليل النفسي هي عمليّة علاج طبّي، إذ يحاول المُعالِج أن يخفّف، بمختلف الوسائل، آلام طالب العلاج. وكي أكون صريحًا، من الضروري أن أوضّح أن من ينتظر ذلك من العلاج، لا أنصحه بالاقتراب من التحليل النفسي.
التحليل النفسي مغامرة شاقّة، ليست لمن لا يحتمل الألم الشافي. فهو تجربة ألم وصبر وضياع وانتظار، قد تلحق بها قيامة.
ومن أصعب ما يمكن اكتسابه في التحليل النفسي وتحمّله، زوال الوهم. ذلك الوهم الّذي يبني المرء كلّ حياته على أساسه، فيأتي التحليل النفسي ويدمّره تدميرًا. ومن لا يحتمل ذلك، لن يكتسب ما يمكن للتحليل النفسي توفيره.
يمكننا، على الصعيد النظري، تقسيم هذه الأوهام إلى خمسة:
أولًا: وهم المجّانية
سوف يكتشف من يخوض تجربة التحليل يومًا ما، أن لا شيء مجّاني، وأنّ كلّ ما يُعطى وما يُؤخذ له ثمن.
ثمنٌ نفسيّ، رمزيّ، أو وجوديّ، لا يُدفع دائمًا بالمال، بل غالبًا بالوجع، وبالتخلّي، وبالقبول بما كان مرفوضًا في الذات.
إنّ وهم المجّانية هو وهم الطفولة المستمرّة، حيث ينتظر المرء أن يُنقَذ، وأن يُفهَم بلا كلام، وأن يُحَبّ بلا مقابل.
لكن التحليل النفسي يُسقِط هذا الانتظار، ويعيد الذات إلى موقع المسؤولية: لا شفاء بلا ثمن، ولا عبور بلا خسارة.
ثانيًا: وهم الاستقرار
لا شيء مستقرّ، وكلّ ما هو كائن متحرّك ومتغيّر.
الذات ليست جوهرًا ثابتًا، بل تاريخًا حيًّا، مليئًا بالانقطاعات والتحوّلات والتناقضات.
من يدخل التحليل بحثًا عن أرض صلبة نهائية، أو هوية مكتملة، أو راحة دائمة، سيصطدم بحقيقة مقلقة:
- القلق ليس عارضًا طارئًا، بل جزء من بنية الوجود الإنساني.
التحليل لا يمنح استقرارًا، بل قدرة أكبر على العيش داخل اللااستقرار دون انهيار.
Admin